بقلم الصديق عماد توماس
عندما تشتري جارتنا أم علي العطارة ولوازم الطهي من رزق المسيحي، ولا تشتريها من الشيخ محمد، فهذا سلوك علماني.
ولكن ليس الأمر بهذه البساطة. هي تفعل هذا لأن البضاعة الأجود والخدمة الأفضل عند الأول، ولم يدفعها اشتراكها في الدين مع الثاني إلي تجاوز تلك المفاضلة العملية، واختيار الشيخ على عيبه.
على أن الأمر يختلف لو تصورنا تساوى الاثنين في مستوي الخدمة وجودة البضاعة، وفي بعدهما عن بيتنا؟! وأعلم أنها ستنزعج من الكلمة علماني، خاصة في هذا السياق الذي يصف سلوكاً لها، فالوعي الشعبي لدينا مشحون ضد الكلمة ويلصق بها ويرادفها بأشياء كثيرة خارج حدوده، أولها الإلحاد.
ونقرأ في صحيح الإمام مسلم، عن أنس وعائشة أن « رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- مَرّ بِقَوْم يُلَقِّحُونَ.
فقال: لو لم تفعلوا لَصَلُحَ قال: فخرج شِيصا. قال: فمرَّ بهم. فقال: ما لِنَخْلِكم؟ فقالوا: قلتَ كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم». صحيح مسلم (4/1836، رقم 2363)
أي أن النبي (ص) قال رأيه في شيء خارج حدود علمه، رأياً شخصياً ليس مصدره الوحي، وعندما أخذ الزارعون برأيه لم يثمر النخل في هذا العام لأنه لم يُلقّح كما كان يحدث في المعتاد.
وكان تعليقه، أنتم أعلم بأمر دنياكم. والجدير بالتأمل أن الإمام مسلم وضع هذا الحديث تحت باب اسماه وجوب امتثال ما قاله الرسول شرعا، دون ما ذكره من معايش الناس أي أن ما يتعلق بشؤون الدنيا لا يتوجب الامتثال به.
قد يصدم البعض حين نقول له أن هذا يعني أن هناك حقائق أو مسائل أو أمور لا نستطيع أن نعلمها أو نجدها في القرآن والسنة!
فالفكرة الشعبية السائدة - والتي توجد في بعض خطابات دعاة اليوم – هي أن هذا الكتاب لم يغادر صغيرة ولا كبيرة (وهي فكرة مبنية على اقتطاع لجملة عن سياقها بشكل جعلها تعني ما لا تعنيه، وردت في سورة الكهف الآية 49).
فتلك المعلومة التي لم يكن النبي يعرفها في تلك الحادثة تجدها مثلاً في كتاب بسيط عن تكاثر النباتات أو عن زراعة النخيل ولكن بالتأكيد ليس في القرآن، فمن المفهوم أن الوحي لم ينزل بكل شيء.
ولكن بالتأكيد كذلك أن هؤلاء الزارعين في المدينة لم يكونوا بحاجة لكتاب لمعرفة هذا. فالمعرفة التي تكتسبها الجماعة عبر الزمن وتتناقلها جيل بعد جيل، يتم حفظها عبر وسائل الحفظ المتاحة، بالكتابة أحياناً و بالرواية الشفهية في أحيانٍ أخرى.
ولنكن أكثر جرأة فنقول أن هؤلاء الزارعين أصابهم أذى ما وقتها، اقتصادياً، عندما لم يثمر نخيلهم في هذا العام. وما السبب؟
السبب هو أنهم آمنوا بأنه في معرفة النبي (ص) والوحي الذي يأتيه، ما يمكن أن يغنيهم عن المعارف الأخرى التي لم يكن مصدرها السماء وإنما العلم أو فلنقل الخبرة الإنسانية.
لهذا أخذوا ما سمعوا من النبي (ص) دون إعمال للعقل. ونتفهم بالطبع أن تصرفهم هذا طبيعياً، أعني اعتماد كلام النبي (ص) دون مراجعة.
ولكن كان النبي وقتها بينهم ليخبرهم بتلك الحقيقة التي أشبه بالاعتذار أنتم أعلم بشئون دنياكم. أما الآن، فلم يعد يسير بيننا.
ويعني هذا أنه هناك احتمال لحدوث أذى آخر بتبني هذه الفكرة الخاطئة، أن القرآن (والسنة) لم يغادر(ا) صغيرة ولا كبيرة، فيجب أن يكون لدينا معايير واضحة لما يجب أن نأخذه من نصوص الدين، وما يجب أخذه من مصادر المعرفة الإنسانية الأخرى.
وهكذا تلتقي التعريفات الأساسية للعلمانية فصل الدين عن الدولة أو عدم الحكم على النسبي بما هو مطلق حول هذه الفكرة،
أن هناك ما يجب أخذه من الكتب المقدسة (طقوس وشعائر العبادة، وغيبيات، …الخ) وهناك (الزراعة، السياسة …الخ) ما نجد له مصادر أفضل منها، وهذا لا ينتقص من الكتب المقدسة في شيء.
هل النصوص المقدسة (الآيات القرآنية كمثال) موجودة من أجل خدمة الإنسان، أو أن الإنسان موجود لخدمتها، أي تنفيذها وتفعيلها؟
سؤال مركزي عند الحديث على أمر العلمانية.
قد يختلف البعض حول تفسير آيات القرآن الكريم، وحتى حول النداء باعتبار (القرآن) دستوراً المسلمين. ولكلٍ منطقه.
ولكن لن يختلف أحد المسلمين على مبدأ شديد الرسوخ في الثقافة الإسلامية: يجب تطبيق أحكام الحدود التي ذكرت في القرآن. جاء بها الوحي لنطبقها. نقطة، وانتهي.
حادثة تاريخية نذكرها. في خلافة عمر بن الخطاب، اشتدت المجاعة والقحط في السنة ال للهجرة واستمرت لتسعة أشهر.
وسمي العام بعام الرمادة، وقيل لأن الأرض اسودت من قلة الم
المزيد